محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
236
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
تعالى عن ذلك وعدم إذنه [ فيه ] كما فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الكبش الذي أهدي إليه مع السمن والأقط ، وكما فعله فتح الموصلي ، والحسن البصري رضي اللّه عنهما مع روايتهما للحديث الذي ذكر فيه أن ردّ الهدية ردّ على اللّه تعالى . وقد تقدم ذكره بلفظه ، فبهذا يندفع ذلك الخيال ، واللّه تعالى الموفّق لصالح الأعمال . وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة ، لأن الحاجة ماسّة إليها ، وليعلم من ذلك أنّ جميع تفاريعها ومسائلها داخل في كلام المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، على حكم الإيجاز والاختصار . وكلامه فيها من بديع الكلام ومستحسنه . ولشيخه أبي العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه ، في معنى ما ذكره كلام بديع مختصر منتزع من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، نقله عنه في « لطائف المنن » قال رضي اللّه عنه : « للناس أسباب ، وسببنا نحن : الإيمان والتقوى ، قال اللّه سبحانه : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 69 ] . وقد جوّد المؤلف - رحمه اللّه - صياغته وأحسن سياقته في مقصد الإرشاد والهداية ، واللّه أعلم . ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه ، لاكتفائه بمشيئته ، فكيف لا يستحي أن يرفعها إلى خليقته . قد تقدّم أن من الأدب ترك الطلب ، والسؤال من اللّه تعالى اكتفاء بمشيئته ، ورضا بسابق قسمته ، وأن العارفين المحققين يستحيون من اللّه تعالى في ذلك ، فكيف لا يستحيون من مولاهم عزّ وجلّ عند سؤالهم للمخلوقين ؟ وهل أدبهم في ذلك واستحياؤهم من ربهم إلا واجب عليهم ، فلا يسألون منهم شيئا ولا يرفعون إليهم حاجة ، لأنهم فقراء محتاجون ومولاهم هو الغني الحميد ، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : [ لا تتعد نيّة همتك إلى غيره ، فالكريم لا تتخطاه الآمال ] . قال سهل بن عبد اللّه التستري - رضي اللّه عنه - : « ما من نفس ولا قلب إلا واللّه مطّلع عليه في ساعات الليل والنيل ، فأيّما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى سواه سلّط عليه إبليس » . وقال الأستاذ أبو علي الدقّاق - رضي اللّه تعالى عنه - : « من علامات المعرفة أن لا تسأل حوائجك قلّت أو كثرت إلا من اللّه سبحانه وتعالى ، مثل موسى عليه السلام اشتاق إلى الرؤية فقال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] واحتاج مرة إلى رغيف فقال : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] . وذكر الإمام أبو القاسم القشيري - رضي اللّه تعالى عنه - أن بعض الفقراء كان